بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

عَظَمَةُ اللهِ الخَالِقِ

سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ

تتجلّى عظمةُ اللهِ سبحانه وتعالى في كلِّ ما خلق؛ فهو الخالقُ الذي لا يُعجِزُه شيءٌ في الأرضِ ولا في السماء، ولا يحتاجُ في خلقِه إلى معينٍ أو شريك.

انقرْ في أيِّ مكانٍ فارغٍ من السماءِ لتُطلقَ شهابًا

التأمُّلُ الأوّل

الخالقُ الذي لا يُعجِزُه شيء

فإذا أراد أمرًا، فإنما يقول له: «كُنْ» فيكون. إرادةٌ مطلقةٌ لا يحدُّها زمانٌ ولا مكان، ولا يعتريها تعبٌ ولا افتقار.

﴿
بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِذَا قَضَىٰ أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ
سورة البقرة · الآية 117

بهذه الإرادةِ المطلقةِ خلقَ اللهُ السماواتِ والأرض، وخلقَ الزمانَ والمكان، وأقامَ هذا الكونَ على نظامٍ بالغِ الدقةِ والإحكام، وجعلَ لكلِّ مخلوقٍ أجلًا، ولكلِّ أمرٍ قدرًا. وسيظلُّ هذا الكونُ قائمًا إلى الوقتِ الذي حدَّدَه خالقُه؛ فإذا جاءتِ الساعةُ طوى اللهُ السماواتِ والأرض، وبدَّلَهما خلقًا جديدًا كما أخبرَ في كتابِه؛ فهو سبحانه يبدأُ الخلقَ ثم يُعيدُه، وهو على كلِّ شيءٍ قدير.

﴿
يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ
سورة الأنبياء · الآية 104
التأمُّلُ الثاني

سَبْعُ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا

ونحن نعيشُ في جزءٍ ضئيلٍ جدًّا من هذا الكونِ العظيم، على كوكبٍ صغيرٍ يقعُ في السماءِ الدنيا، وهي أولى السماواتِ السبع. وكلُّ ما يشاهدُه الإنسانُ من نجومٍ وكواكبَ ومجرّاتٍ وسُدُمٍ إنما هو داخلُ هذه السماءِ وحدَها؛ أما السماواتُ الستُّ الباقية، فلا يعلمُ حقيقتَها وحدودَها إلا اللهُ سبحانه.

﴿
أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا ﴿15﴾ وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا ﴿16﴾
سورة نوح · الآيتان 15 – 16
التأمُّلُ الثالث

رحلةُ الضَّوء

ومع التقدُّمِ العلميِّ الهائل، لم يستطعِ الإنسانُ إلا أن يكتشفَ جانبًا يسيرًا من هذا الخلقِ العظيم. وقد مكَّنَه اللهُ من قياسِ بعضِ المسافاتِ الكونيةِ بما يُعرفُ بـالسنةِ الضوئية، وهي المسافةُ التي يقطعُها الضوءُ خلالَ سنةٍ كاملة، بسرعةٍ تقاربُ ثلاثمائةَ ألفِ كيلومترٍ في الثانية؛ أي ما يقاربُ تسعةَ تريليوناتٍ ونصفَ التريليونِ كيلومتر.

ولتقريبِ الصورة: كم يحتاجُ ضوءُ كلِّ جرمٍ حتى يبلغَنا؟ جرِّبْ بنفسك:

الجرمُ المختار
زمنُ وصولِ الضوءِ إلى الأرض
0
الأرض

ولهذا فإننا لا نرى النجومَ البعيدةَ كما هي الآن، وإنما نرى صورتَها كما كانتْ عندما انطلقَ منها الضوء. وقد يكونُ بعضُها قد تغيَّرَ أو اندثرَ منذ زمنٍ بعيد، ولم يصلْ إلينا خبرُ ذلك بعد؛ بسببِ المسافاتِ الهائلةِ التي تفصلُنا عنها.

التأمُّلُ الرابع

أرقامٌ تَفوقُ الإدراك

وتنتمي أرضُنا إلى المجموعةِ الشمسية التي تضمُّ الشمسَ والكواكبَ التابعةَ لها — أجرِ المؤشِّرَ فوقَ الكواكبِ لتتعرَّفَ عليها:

المجموعةُ الشمسية — رسمٌ توضيحي، الأحجامُ والمسافاتُ غيرُ مقياسية

وشمسُنا ليست إلا نجمًا واحدًا من بين بلايينِ النجومِ التي تحتويها مجرّةُ دربِ التبانة. ويبلغُ قطرُ هذه المجرّةِ نحوَ مائةِ ألفِ سنةٍ ضوئية، وهي نفسُها ليست سوى واحدةٍ من بلايينِ المجرّاتِ المنتشرةِ في السماءِ الدنيا؛ حيث تضمُّ كلُّ مجرّةٍ بلايينِ النجوم، وعددًا لا يُحصى من الكواكبِ والسُّدُمِ والمذنّباتِ والثقوبِ السوداءِ وغيرِها من الأجرامِ التي لا يعلمُ عددَها إلا خالقُها.

0
كيلومترًا في الثانية

سرعةُ الضوء — أسرعُ ما نعرفُه في الكون، وبها نقيسُ أبعادَ ما لا نبلغُه.

0
تريليون كيلومتر

ما يقطعُه الضوءُ في سنةٍ كاملة — هذه هي «السنةُ الضوئية» التي نقيسُ بها المسافاتِ الكونية.

0
سنة ضوئية

قطرُ مجرّةِ دربِ التبانة — وشمسُنا نجمٌ واحدٌ ضئيلٌ بين بلايينِ نجومِها.

بلايينُ المجرّات
في السماءِ الدنيا وحدَها

كلٌّ منها يحتوي بلايينِ النجومِ، وعددًا لا يُحصى من الكواكبِ والسُّدُمِ والثقوبِ السوداء.

نجوم وسدم في السماء الدنيا
سُدُمٌ ونجومٌ ومجرّاتٌ في السماءِ الدنيا: قطرةٌ من بحرٍ لا يُحصيهِ إلا خالقُه.
﴿
الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا مَا تَرَىٰ فِي خَلْقِ الرَّحْمَٰنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَىٰ مِنْ فُطُورٍ ﴿3﴾ ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ ﴿4﴾ وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السَّعِيرِ ﴿5﴾
سورة الملك · الآيات 3 – 5

لو حاولَ الإنسانُ أن يُحصيَها…

فلو عادَّ جرمًا واحدًا في كلِّ ثانية، لما انتهى من عديدِها إلا بعد زمنٍ يتجاوزُ بلايينَ السنين. وما اكتشفَه البشرُ إلى اليوم — على سعتِه — لا يمثلُ إلا جزءًا يسيرًا مما خلقَ الله، وما خفيَ عنهم أعظمُ بكثيرٍ مما علِموه.

﴿
لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ
سورة غافر · الآية 57
التأمُّلُ الخامس

من المخلوقِ إلى الخالق

وإذا كانت عظمةُ المخلوقاتِ تعجزُ العقولَ عن الإحاطةِ بها، فإنها إنما تدلُّ على عظمةِ خالقِها. فالكونُ ليس غايةً في ذاتِه، وإنما هو آيةٌ من آياتِ الله، تدعو الإنسانَ إلى التفكُّرِ في قدرةِ ربِّه، وتوقظُه إلى حقيقةِ ضعفِه، وتذكِّرُه بأنَّ من أبدعَ هذا الخلقَ الهائلَ لا يُعجِزُه شيء، وأنَّ الذي أحكمَ نظامَه بهذا الإتقانِ هو المستحقُّ وحدَه للعبادةِ والخضوع.

ولهذا يلفتُ القرآنُ الكريمُ الأنظارَ إلى السماواتِ والأرض؛ ليس فقط لإشباعِ الفضولِ العلمي، بل ليوقظَ القلوب، ويقودَها من التأمُّلِ في المخلوقِ إلى الإيمانِ بالخالق، ومن مشاهدةِ آثارِ القدرةِ إلى تعظيمِ صاحبِ القدرةِ سبحانه وتعالى.

﴿
وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ
سورة فصلت · الآية 37

رحلةُ القلبِ في ثلاثِ خطوات

التأمُّل

مشاهدةُ آثارِ القدرةِ في الخلق: «فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَىٰ مِنْ فُطُورٍ»

الإيمان

الانتقالُ من الأثرِ إلى صاحبِ الأثر، ومن الآيةِ إلى مُنبئِها

التعظيم

الخضوعُ للهِ وحدَه لا لشمسٍ ولا قمر: «وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ»

ثمرةُ التأمُّل

سبِّحْ وَاذْكُرْ رَبَّك

﴿
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا
سورة الأحزاب · الآية 41
0
إجمالي التسبيحات
1
الدَّورة الحالية
33
المتبقّي للإتمام

عدَّادٌ يسيرٌ يُعينُ على المُداومة — والنيّةُ والإخلاصُ هما الأساس، وعدَّادُك محفوظٌ في متصفحِك.

خاتمةٌ في تعظيمِ الله
وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ
سورة الزمر · الآية 67

سُبْحَانَ اللهِ وَبِحَمْدِهِ، سُبْحَانَ اللهِ العَظِيم